فخر الدين الرازي

430

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

انطلاق المرأة ، فهذا ما يتعلق بتفسير لفظ الآية . أما الأحكام فكثيرة ونذكر هاهنا بعض ما دلت الآية عليه في مسائل : المسألة الأولى : كل زوج يتصور منه الوقاع ، وكان تصرفه معتبرا في الشرع ، فإنه يصح منه الإيلاء ، وهذا القيد معتبر طردا وعكسا . أما الطرد فهو أن كل من كان كذلك صح إيلاؤه ، ويتفرع عليه أحكام الأول : يصح إيلاء الذمي ، وهو قول أبي حنيفة رضي اللّه عنه ، وقال أبو يوسف ومحمد : لا يصح إيلاؤه باللّه تعالى ويصح بالطلاق والعتاق لنا قوله تعالى : لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وهذا العموم يتناول الكافر والمسلم . الحكم الثاني : قال الشافعي رضي اللّه عنه : مدة الإيلاء لا تختلف بالرق والحرية فهي أربعة أشهر سواء كان الزوجان حرين أو رقيقين ، أو أحدهما كان حرا والآخر رقيقا ، وعند أبي حنيفة ومالك رضي اللّه عنهما تتنصف بالرق ، إلا أن عند أبي حنيفة تتنصف برق المرأة ، وعند مالك برق الرجل ، كما قالا في الطلاق لنا إن ظاهر قوله تعالى : لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ يتناول الكل ، والتخصيص خلاف الظاهر ، لأن تقدير هذه المدة إنما كان لأجل معنى يرجع إلى الجبلة والطبع ، وهو قلة الصبر على مفارقة الزوج ، فيستوي فيه الحر والرقيق ، كالحيض ، ومدة الرضاع ومدة العنة . الحكم الثالث : يصح الإيلاء في حال الرضا والغضب ، وقال مالك : لا يصح إلا في حال الغضب لنا ظاهر هذه الآية . الحكم الرابع : يصح الإيلاء من المرأة سواء كانت في صلب النكاح ، أو كانت مطلقة طلقة رجعية ، بدليل أن الرجعية يصدق عليها أنها من نسائه ، بدليل أنه لو قال : نسائي طوالق ، وقع الطلاق عليها ، وإذا ثبت أنها من نسائه دخلت تحت الآية لظاهر قوله : لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ . أما عكس هذه القضية . وهو أن من لا يتصور منه الوقاع لا يصح إيلاؤه ، ففيه حكمان : الحكم الأول : إيلاء الخصي صحيح ، لأنه يجامع كما يجامع الفحل ، إنما المفقود في حقه الإنزال وذلك لا أثر له ولأنه داخل تحت عموم الآية . الحكم الثاني : المجبوب إن بقي منه ما يمكنه أن يجامع به صح إيلاؤه وإن لم يبق ففيه قولان أحدهما : أنه لا يصح إيلاؤه وهو قول أبي حنيفة رضي اللّه عنه والثاني : أنه يصح لعموم هذه الآية ، لأن قصد المضارة باليمين قد حصل منه . القيد الثاني : أن يكون زوجا ، فلو قال لأجنبية : واللّه لا أجامعك ثم نكحها لم يكن مؤليا لأن قوله تعالى : لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ يفيد أن هذا الحكم لهم لا لغيرهم ، كقوله : لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [ الكافرون : 6 ] أي لكم لا لغيركم . المسألة الثانية : المحلوف به والحلف إما أن يكون باللّه أو بغيره ، فإن كان باللّه كان موليا ثم إن جامعها في مدة الإيلاء خرج عن الإيلاء ، وهل تجب كفارة اليمين فيه قولان : الجديد وهو الأصح ، وقول أبي حنيفة رضي اللّه عنه أنه تجب كفارة اليمين ، والقديم أنه إذا فاء بعد مضي المدة أو في خلال المدة فلا كفارة عليه ،